مصطفى لبيب عبد الغني

25

منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )

ينبغي أن تصدنا ابتداء عن محاولة فهم أبى بكر الرازي وعن النظر المتعمق في آثاره للوقوف على كنهها قبل ردّها أو مصارعتها : فلكل من الأحكام السابقة - في تاريخ الفكر العلمي الإسلامي - دوافعه التي تلونت بثقافة أصحابها وبأمزجتهم الخاصة في التقويم وبانتماءاتهم العقائدية الضاغطة ، كما أن هناك بعض أفكار صدرت بدافع من الورع الشديد والمفتقد نفاذ البصيرة . وعلينا بالأحرى أن نكون أكثر رويّة أيضا ونحن يصدد تقويم تراث الرازي عند مؤرخي العلم الغربيين - على اختلاف مشاربهم وتباين مواقفهم في الالتزام بمقتضيات منهج التأريخ المعتمد عند المنصفين العدول . ومن الطبيعي أن تكون دوافعنا الآن - في قبول أفكار الرازي أوردها جملة وتفصيلا - دوافع مختلفة ومتباعدة باختلاف وتباعد زماننا وأوضاعنا العقلية الراهنة عن زمانهم وأوضاعهم . ( ثامنا ) : إن دراستنا للرازي تتم في حدود ما هو متاح فحسب من آثاره القليلة الباقية ، وهي على ذلك سوف تظل دراسة مبتسرة ، ولو قدّر لنا الكشف عن أعمال أخرى له وبخاصة كتبه المنطقية والفلسفية لتغيرت معالم صورتنا عنه ولا تضح ما هو خبىء غير منكشف . وما نقوى عليه الآن هو مجرد محاولة الكشف عما يمكن من تصورات عقلية وأسس منهجية مضمرة في ثنايا كتاباته العلمية والتي قليلا ما تعرضت صراحة لما يتصل بمشكلات المنهج ونظرية العلم . ( تاسعا ) : ليس الابتكار في ميدان الأفكار خلقا من عدم ولكنه بالأحرى حياكة لخيوط متفرقة في نسيج واحد وإعادة مزج لعناصر قديمة في مركب جديد . وليس بدعا أن يستلهم المفكر المسلم - وهو يقدم عناصر نسقه المعرفى - أفكار القدماء من يونان وشرقيين وأن يكون الفكر الديني بمحتواه العميق ومغزاه البالغ الدلالة في توجيه عقل الانسان وسلوكه رافدا من الروافد الأساسية له . وهنا نتبيّن كم هي غريبة تلك النظرة إلى فكرنا الإسلامي الحي - في عصور تأسيسه وازدهاره - باعتباره مجرد استجابه تلقائية محتومة لثقافة أجنبية ،